الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

97

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعلى كل حال فإن حياة قوم لوط المشهورين بالانحراف الجنسي والعادات السيئة المخزية الأخرى ، كما أن عاقبة حياتهم الوخيمة يمكن أن تكون لوحة بليغة لأولئك السادرين في شهواتهم . . . وإن سعة هذا التلوث بين الناس تقتضي أن يكرر ما جرى على قوم لوط مرارا . يقول القرآن : في الآيتين محل البحث أولا : ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ( 1 ) . " الفاحشة " كما أشرنا إليها من قبل ، تعني الأعمال السيئة القبيحة ، والمراد منها الانحراف الجنسي وعمل اللواط المخزي . وجملة وأنتم تبصرون إشارة إلى أنكم - يعني قوم لوط - ترون بأم أعينكم قبح هذا العمل وآثاره الوخيمة ، وكيف تلوث مجتمعكم من قرنه إلى قدمه به . . . وحتى الأطفال في غير مأمن من هذا العمل القبيح ، فعلام تبصرون ولا تتنبهون ! وأما ما يحتمله بعضهم من أن جملة " تبصرون " إشارة إلى أنهم كانوا يشهدون فعل اللواط " بين الفاعل والمفعول " فهذا المعنى لا ينسجم وظاهر التعبير ، لأن لوطا يريد أن يحرك " وجدانهم " وضمائرهم ، وأن يوصل نداء فطرتهم إلى آذانهم . . . فكلام لوط نابع من البصيرة ورؤية العواقب الوخيمة لهذا العمل والتنبه منه . ثم يضيف القرآن قائلا : أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء . وقد ورد التعبير عن هذا العمل القبيح بالفاحشة ، ثم وضحه أكثر لئلا يبقى أي إبهام في الكلام ، وهذا اللون من الكلام واحد من فنون البلاغة لبيان المسائل المهمة . ولكي يتضح بأن الدافع على هذا العمل هو الجهل ، فالقرآن يضيف قائلا : بل

--> 1 - يحتمل أن " ولوطا " منصوب بالفعل ( أرسلنا ) الذي سبق ذكره في الآيات المتقدمة ، ويحتمل أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره ( أذكر ) وحيث جاء بعد الكلمة ( إذ قال ) فالاحتمال الثاني أنسب . . .